المقالات والأراء

احمد الجويلي يكتب: حروب الثقافة والهوية والقيم.. من ينتصر في معارك العقول؟

إن الواقع العالمي بشكل عام، والمجتمع المصري بشكل خاص، كونه حجر الزاوية في المنطقة، يشهد تغيرات عاصفة وتهديدات مستمرة وتحديات غاية في القسوة، مما يفرض علينا أن نكون أكثر حرصًا من ذي قبل على بناء جيل واعٍ قادر على حمل الأمانة، وجعله أكثر حماسًا من ذي قبل. فالعالم مقبل على تغيير في الخرائط، والتي بدأت تتشكل في الظهور من الآن، وليس من المنطقي أن نخوض غمار هذه العواصف بوجهة النظر التعبوية فقط، مع أهميتها، فهي لا تستطيع وحدها أن تقوم بالأمر.

إن التوسع في الدراسات الاستراتيجية لدى عموم الشباب لن يستطيع مجابهة الإرهاب بشكل الذي يتخيله بعض المختصين، لكن مشهداً من مسلسل، أو فيلم، أو مقطعاً صغيرًا مؤثر، قادر على هز عقيدة متطرف وإعادته إلى توازنه مرة أخرى. ومقال به فكرة قد ينقل الواقع إلى منطقة أفضل إذا تم الاهتمام بها ودخلت حيز التنفيذ.

إن تسليم مفاتيح الثقافة والأدب والفن إلى من يملك المال، داخلياً كان أو خارجياً، ليس له معنى سوى بيروقراطية البيزنس، وبالتالي سيؤدي إلى تلاشي الهوية؛ لأن البيزنس لا يعترف بالهوية أو بالقيم، فهو لا يعترف إلا بالمكسب المادي وحسابات المكسب والخسارة، حتى لو كان ذلك على حساب التاريخ والأصل والقيم.

مخطئ من يظن أن الأمن القومي وحده في السياسة أو الاقتصاد، أو حتى في مستوى الدخل والإنتاج المرتبط بمؤشرات الفقر العالمية، بل إنه أحد استراتيجيات توجيه الشعوب والسيطرة عليها، وهو الأهم. وقد أشار إلى ذلك المفكر الاستخباراتي الكبير هولستي، حين قال إن تعريف الأمن القومي لا يقتصر على التعريف الكلاسيكي، وهو قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية، بل غير المنحنى ووجهه نحو أن يكون الأمن القومي هو الحفاظ على الأمن القومي يأتي عبر وضع الدول لسياسات وبرامج من شأنها توسيع نفوذها خارجيًا، حتى لو وصل الأمر إلى محاولة التأثير أو تغيير سلوك الدول وشعوبها، بما قد يشمل أطرافًا قد تحمل نوايا عدوانية في المستقبل.

وهذا، بشكل واضح، إن دلّ فإنما يدل على أننا في حرب مفتوحة ثقافياً، نترك فيها الجيل الجديد يواجه وحده تلك الحروب دون سلاح، وهو ما يؤكد أهمية الطرح العام والنظرية التي نتبناها.

وبالتالي، حين نرى أن حصر الثقافة في فكرة أنها موضة قديمة وانتهت بدعوى التجديد واللحاق بركب العصرية العالمية، لن يؤدي إلى تنامي الانتماء لدى الجيل الصاعد بل يتركه وحيدا؛ فهو يقيم دعائمه على حركة التطور والذكاء المفرط، وبهذا المنطق فنحن نسلمه بأيدينا إلى من يشكل تكوينه بعيدا عنا.

لقد انتهى منطق الوصاية وزمنه، وفكرة أننا نستطيع أن نأتي إليه في أي وقت وجذبه حين نتفرغ له، فكرة ليس لها أساس وليست منطقية.

لذا، فإن المدخل الوحيد حاليا للشباب ليس إلا دمجهم وتصنيفهم إلى دوائر موسعة من الاهتمامات، وتكريس كل الدعم اللازم لهذه الدوائر، من أسفل الهرم الاجتماعي إلى أعلاه، وتضافر المجتمع المدني مع الدولة، والاهتمام بالمؤسسات الثقافية كما الاهتمام بالمؤسسات الاجتماعية والعمالية.

نحن في حالة حرب حقيقية مع الإرهاب الدولي المنظم ومحاولة فرض قيم جديدة عنوة على العالم بأسره، قيم لا تناسبنا والتطرف، ليس الديني فحسب، بل أيضًا مع انتشار الخطاب الفكري المتطرف. فالمجتمع المدني والسياسي والثقافي يبني الدول، وليس الاقتصاد وحده؛ لأنه لن يستطيع البناء إنسانٌ رخو بلا جذور أو هدف ووجهة أو بوصلة.

إن من يبني الإنسان هو العلم، ومن يقوم بتنشئته هي الثقافة والوعي، ومن يحفز روحه الوطنية هو تضافر كل الاتجاهات وتحجيم الفوضى الإعلامية والإعلانية التي توجه كيانهم بشكل مباشر إلى السقوط في هاوية سحيقة من الروتين والتوازنات، التي تتركه وحيداً شريداً، بلا أب شرعي لعقله فنتركه ليتبناه الآخرون، وبعدها نتساءل: لماذا وصلنا إلى هذا الحد؟!

علينا جميعًا أن نقف على رأس مسؤوليتنا، وأن نتنحى عن الخلافات التي لا تؤدي إلا إلى المزيد من الفرقة، وحتماً علينا أن ننقذ الجيل الذي يكاد يسقط منا في فخ التغريب واستيراد الأفكار التي لا تناسبنا.

هذا الجيل ذكي بالسليقة، والمصري عبقري زمانه بالفطرة، ولديه بوصلة وحس خالص يجعلك تشعر طوال الوقت أن هناك أملًا ما زال قائمًا.

فإن مشروعنا القومي التالي لا بد أن يكون ثقافياً، ولا بد أن يكون بأيدينا وبتمويلنا، وتحويل الخطاب الاستراتيجي والتعبوي إلى خطاب ثقافي متكامل يبدأ من القاعدة، لا من الأضواء اللامعة والملابس الفخمة.

والقاعدة العامة التي تبدأ من أسفل الهرم الاجتماعي هي التي ستحارب بيقين وعقيدة، وهي التي علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتكون بوصلتها واضحة لا مشوشة، وطريقها واضحاً برؤية قوية، وحينها لا تسألني عن العقبات؛ فإذا كان البصر حديدًا والبصيرة نافذة، لا يستطيع أحد مجابهتها.

إن تضافر الجهود أمن قومي، والعمل الدؤوب بخطة وطنية واضحة، واستراتيجية ثقافية قومية، وسن التشريعات بما يخدم الهدف الأسمى، وإتاحة الفرص أمام الجميع، كل ذلك أمن قومي، بداية من الساحة الشعبية في أصغر مركز شباب في أقل قرية في مصر من حيث الإمكانيات، وحتى أعلى سلطة فيها، لتستقيم الأمور، ونسلم الراية بهدوء ووضوح ويقين إلى جيل قادر على حمل الأمانة، وأن يكون مصري الهوى، لا مستوردًا لأفكار غربية غريبة علينا.

جيل منتمٍ لمصر، لا لمصلحته الخاصة بتواجده بالقرب من دوائر أعلى الهرم الاجتماعي. جيل مصري وطني حقيقي، والمصري وطني بالفطرة.

ومؤسسات الدولة السيادية قادرة، ولديها من الانتماء والوعي الكافي ما يجعلها تتبنى هذه البوصة من الفكر الوطني العاجل؛ فإن مهمتها الأساسية هي حفظ الأمن القومي المصري والعربي، وهم أهل لها.

وما على الرسول إلا البلاغ المبين، والعمل الصادق.

وتحيا مصر وشعبها العظيم دائمًا وأبدًا، بيقين خالص، وقوة، وعزم المخلصين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً