المقالات والأراء

الأسطورة بتقول: حين يصبح الوعي معركة… ويغيب أهلها

القوة الحقيقية لأي مجتمع لا تقاس بما يملكه من موارد مادية، ولا بما يرفعه من شعارات براقة، وإنما بما ينتجه من وعي، وما يحمله مثقفوه من مشروع حقيقي قادر على إعادة تشكيل الإنسان قبل المكان، فالمجتمعات التي تفقد بوصلتها الثقافية، تفقد تباعا قدرتها على التمييز، ثم على الاختيار، ثم على البقاء.

إن الكاتب، والفنان، والمثقف عموما، ليسوا مجرد أدوات ترفيه أو عناصر تجميلية في المشهد العام، بل هم خط الدفاع الأول عن العقل الجمعي، وصناع المعنى في زمن اختلطت فيه المفاهيم، وتراجعت فيه الأولويات؛ ومن هنا، فإن قوة هؤلاء لا تنبع فقط من موهبتهم أو اجتهادهم، بل من البيئة التي تحتضنهم، وتدرك حجم الدور الملقى على عاتقهم.

هذه البيئة، إن لم تكن على قدر الوعي بخطورة مهمتها، تحولت من حاضنة إلى عبء، ومن داعم إلى معوق؛ فالرعاية الحقيقية للمثقفين ليست مجرد خدمات تقدم، أو تسهيلات تمنح، لأن هذا الدور في حد ذاته واجب بديهي لا يمن به على أحد، بل هو الحد الأدنى من المسؤولية؛ أما الدور الأهم، فهو تمكين هؤلاء من أداء رسالتهم، وصون مكانتهم، وتوفير المناخ الذي يسمح لهم بقيادة عملية البناء الفكري للمجتمع.

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى؛ حين ينحرف التنافس داخل المؤسسات الثقافية عن مساره الطبيعي، ويتحول من صراع برامج ورؤى إلى سباق خدمات ومصالح، فإننا نكون قد أفرغنا الفكرة من مضمونها، واستبدلنا جوهر الرسالة بقشورها؛ فالتنافس الحقيقي يجب أن يكون على من يملك مشروعا أعمق، ورؤية أوضح، وقدرة أكبر على إعادة صياغة الوعي العام، لا على من يقدم خدمة أسرع أو وعدا أسهل.

إن اختزال العملية الانتخابية أو القيادية في تقديم الخدمات فقط، هو في حقيقته جريمة مكتملة الأركان في حق المجتمع، لأنه يرسخ لجيل جديد بمعيار زائفا للاختيار، ويقصي أصحاب الفكر لصالح أصحاب المصالح؛ والأسوأ من ذلك، أنه ينتج قيادات بلا مشروع، وأصواتا بلا رسالة، ووجوها بلا تأثير حقيقي.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن تظهر أدوات رخيصة لا تمت بصلة للعمل الثقافي، كحملات التشويه والطعن الشخصي، ومحاولات اغتيال المعنى قبل اغتيال الفكرة؛ فحين يعجز البعض عن المنافسة بالكلمة، يلجأ إلى تلويثها، وحين يفتقد الرؤية، يستعيض عنها بإثارة الضجيج؛ وهذه ليست أزمة أفراد، بل أزمة بيئة سمحت لمثل هذه النماذج أن تنمو وتتمدد.

إن التعرض للشرف، أو الانزلاق إلى معارك شخصية، لا يمكن قبوله تحت أي ظرف، خاصة إذا كان الصراع في الأصل يفترض أنه صراع على بناء الوعي؛ فالمعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين مشروعين مشروع يسعى إلى بناء الإنسان، وآخر لا يملك سوى هدمه.

اليوم، نحن في لحظة فارقة، يحتاج فيها الوطن إلى كل طاقة صادقة، وكل عقل واعٍ، وكل قلم مسؤول؛ ولم يعد مقبولا أن يبقى المثقف على هامش المشهد، أو أن يختزل دوره في دائرة ضيقة لا تعكس حجمه الحقيقي، كما لم يعد مقبولا أن تدار المؤسسات الثقافية بعقلية الخدمات فقط، دون الالتفات إلى رسالتها الأعمق.

إن استعادة القوة الحقيقية للمجتمع تبدأ من هنا؛ من إعادة الاعتبار للوعي، ومنح الكلمة مكانتها، وإعلاء قيمة المشروع على حساب المصلحة، والرؤية على حساب الضجيج.

فالأمم لا تبنى بالخدمات وحدها، بل تبنى بالفكرة التي تسبقها، وتحميها، وتمنحها معنى البقاء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً