«ابن الأصول».. مفاجآت على الخشبة!

بقلم مروة طلبة
ليست قيمة العرض المسرحي دائمًا فيما يملكه من إمكانات إنتاجية ضخمة، ولا في فخامة الديكور أو كثرة التفاصيل البصرية، وإنما في قدرته على تحويل الإمكانات المحدودة إلى لغة مسرحية قادرة على الوصول إلى المتلقي. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى مسرحية «ابن الأصول» بوصفها تجربة تحمل مفارقة واضحة: إمكانات إنتاجية محدودة تقابلها رغبة حقيقية في الإبداع، وممثلون يعملون بحب، ومخرج متمكن استطاع أن يستثمر المتاح ليصنع عرضًا له روح وحضور.
والعرض يثير منذ عنوانه سؤالًا عن معنى «الأصول»: هل المقصود الأصل والنسب والمكانة الاجتماعية، أم أن «ابن الأصول» هو الإنسان الذي تثبت أصوله أخلاقه وسلوكه ومواقفه؟ ومن هنا تتشكل الرحلة الدرامية التي تضع الشخصية أمام اختبار المال والتحول الاجتماعي.
كما يلفت العرض النظر إلى تشابه في الفكرة العامة مع مسرحية «سيدتي الجميلة»؛ فثمة إعادة تشكيل للإنسان ووضعه أمام عالم اجتماعي جديد، إلا أن التشابه، في قراءة العرض، يظل في مستوى الفكرة ولا يمتد إلى التفاصيل أو البناء الدرامي. وهذا التشابه لا يلغي خصوصية «ابن الأصول»، وإنما يفتح بابًا لقراءة كيفية معالجة العمل لفكرة التحول الاجتماعي من منظور مختلف..
: النص والحوار.. البساطة التي تخفي بعض الحكمة
جاء الحوار في «ابن الأصول» جيدًا جدًا، ومناسبًا لطبيعة الشخصيات والبيئات التي تنتمي إليها. ولم يعتمد النص على ألفاظ مبتذلة أو تعبيرات تخدش الحياء، وهي نقطة تحسب للعمل في زمن أصبح فيه بعض الكتاب يلجؤون إلى الابتذال باعتباره طريقًا سريعًا إلى الضحك.
واللافت أن الحوار احتوى على بعض العبارات التي تقترب من الحكمة الشعبية؛ الأمر الذي يتناسب مع طبيعة الفكرة الأساسية للمسرحية، فالعمل لا يناقش المال وحده، وإنما يناقش قيمة الإنسان وأصله الحقيقي، وما إذا كان الأصل يُقاس بالنسب والثروة أم بالسلوك.
وهنا تتجلى إحدى نقاط قوة النص: أنه يطرح قضية اجتماعية قابلة لأن يتفاعل معها المتلقي العادي، دون أن يحولها إلى خطاب مباشر أو درس أخلاقي ثقيل.
«ابن الأصول» و«سيدتي الجميلة».. التشابه في الفكرة
من الصعب مشاهدة «ابن الأصول» دون استدعاء «سيدتي الجميلة» في الذهن، لكن التشابه بين التجربتين، في تقديري، يكمن أساسًا في الفكرة.
ففي العملين هناك شخصية تدخل في عملية تحول اجتماعي، ويصبح الإنسان أمام اختبار يتعلق بصورته ومكانته وطريقة حضوره في المجتمع.
لكن «ابن الأصول» لا يقدم نسخة مصرية من «سيدتي الجميلة»، وإنما يعيد صياغة فكرة التحول داخل سياق مختلف؛ إذ يتحول السؤال من: كيف يمكن أن يصنع المجتمع شخصية جديدة؟ إلى سؤال أكثر اتصالًا بالهوية والأصل:
ماذا يحدث للإنسان عندما تتغير ظروفه المادية والاجتماعية؟ وهل يستطيع أن يحتفظ بأصله الحقيقي؟
ومن هنا تصبح الثروة في المسرحية ليست مجرد وسيلة للحياة، وإنما اختبارًا للشخصية.ليست قيمة العرض المسرحي دائمًا فيما يملكه من إمكانات إنتاجية ضخمة، ولا في فخامة الديكور أو كثرة التفاصيل البصرية، وإنما في قدرته على تحويل الإمكانات المحدودة إلى لغة مسرحية قادرة على الوصول إلى المتلقي. ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى مسرحية «ابن الأصول» بوصفها تجربة تحمل مفارقة واضحة: إمكانات إنتاجية محدودة تقابلها رغبة حقيقية في الإبداع، وممثلون يعملون بحب، ومخرج متمكن استطاع أن يستثمر المتاح ليصنع عرضًا له روح وحضور.
والعرض يثير منذ عنوانه سؤالًا عن معنى «الأصول»: هل المقصود الأصل والنسب والمكانة الاجتماعية، أم أن «ابن الأصول» هو الإنسان الذي تثبت أصوله أخلاقه وسلوكه ومواقفه؟ ومن هنا تتشكل الرحلة الدرامية التي تضع الشخصية أمام اختبار المال والتحول الاجتماعي.
كما يلفت العرض النظر إلى تشابه في الفكرة العامة مع مسرحية «سيدتي الجميلة»؛ فثمة إعادة تشكيل للإنسان ووضعه أمام عالم اجتماعي جديد، إلا أن التشابه، في قراءة العرض، يظل في مستوى الفكرة ولا يمتد إلى التفاصيل أو البناء الدرامي. وهذا التشابه لا يلغي خصوصية «ابن الأصول»، وإنما يفتح بابًا لقراءة كيفية معالجة العمل لفكرة التحول الاجتماعي من منظور مختلف..
الأداء الصوتي.. صوت يخدم الشخصية
يتميز الأداء الصوتي في العرض بجودة واضحة؛ فقد كانت أصوات الممثلين جيدة ومسموعة، كما جاء التنغيم متنوعًا وفق المواقف الدرامية، دون مبالغة أو افتعال.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن التنغيم المسرحي إذا أصبح مبالغًا فيه يمكن أن يدفع الشخصية إلى منطقة الكاريكاتير، بينما نجح الممثلون في معظم اللحظات في الحفاظ على علاقة متوازنة بين الانفعال والصوت.
كما أن خلو الحوار من الألفاظ المبتذلة أو الخادشة للحياء ساعد على الحفاظ على مستوى مقبول من الذوق العام.
أما المؤثرات الصوتية، فجاءت جيدة في معظمها، باستثناء صوت البلدوزرات الذي لم يكن بالمستوى نفسه من التوفيق، ولم يحقق التأثير المطلوب مقارنة ببقية العناصر الصوتية.
الأداء التمثيلي.. الحب وحده لا يكفي دائمًا
من أكثر ما يميز العرض أن الممثلين يؤدون أدوارهم بحب واضح للعمل. وهذا الحب يصل إلى الجمهور، ويمنح العرض روحًا خاصة.
لكن الحماس في بعض اللحظات كان يسبق الشخصية؛ إذ كانت هناك لحظات يخرج فيها بعض الممثلين من شخصياتهم، فنشعر بالممثل أكثر مما نشعر بالشخصية التي يؤديها.
وهذه ملاحظة دقيقة؛ لأنها لا تعني ضعفًا عامًا في الأداء، وإنما تشير إلى حاجة بعض الممثلين إلى مزيد من السيطرة على الشخصية، خصوصًا في الانتقال بين المواقف الكوميدية والانفعالية والاستعراضية.
وكانت الانفعالات في العموم مقنعة، ولم تكن مفتعلة، وهو ما يجعل هذه الملاحظة جزئية وليست حكمًا على مستوى الأداء ككل.
مصطفى شوقي.. تجربة أولى تحمل مفاجأة غنائية
بالنسبة إلى مصطفى شوقي، فإن تقييم تجربته يجب أن يضع في الاعتبار أنها تجربته المسرحية الأولى، ومن ثم فإن ظهوره في العرض يمكن اعتباره تجربة جيدة وواعدة.
لكن القيمة الأكبر التي أضافها شوقي إلى العرض جاءت من صوته الغنائي الجميل؛ فقد منح الغناء مساحة إضافية للعرض، وأصبح صوته أحد العناصر التي تثري التجربة الموسيقية.
وفي بعض اللحظات، كان صوته يحمل إحساسًا مصريًا أصيلًا جعلني أشعر للحظات بروح سيد درويش؛ ليس بمعنى المقارنة المباشرة بين تجربتين لا يمكن وضعهما في مستوى واحد، وإنما بمعنى استحضار ذلك الإحساس الذي يجعل الغناء جزءًا من الروح المسرحية والوجدان المصري، لا مجرد فقرة غنائية داخل العرض.
ومن هنا فإن شوقي يمثل إضافة مهمة إلى التجربة، ويمكن أن تكون المسرحية بالنسبة إليه بداية لاختبار قدراته التمثيلية وتطويرها إلى جانب موهبته الغنائية.
: ميرنا وليد.. حضور ناضج
جاء أداء ميرنا وليد ممتازًا، واستطاعت أن تحافظ على حضورها داخل المشاهد دون أن تفقد الشخصية ملامحها.
وتكمن أهمية أدائها في قدرتها على التعامل مع الشخصية بوصفها شخصية درامية، وليس مجرد وجود نسائي داخل الحكاية.
وقد ساعدها على ذلك التحكم في الصوت والانفعال والحركة، بما جعل حضورها متوازنًا مع بقية عناصر العرض.
يوسف مراد منير.. مفاجأة العرض
إذا كان هناك من يستحق أن نطلق عليه «مفاجأة العرض»، فهو يوسف مراد منير.
فهو موهبة جديدة استطاعت أن تلفت الانتباه، وأن تفرض حضورها داخل العرض دون الحاجة إلى الاعتماد على اسم سابق أو شهرة جاهزة.
ويمثل حضوره أحد الجوانب المبشرة في التجربة؛ إذ يملك قابلية واضحة للتطور، وحضورًا يمكن أن يصبح أكثر قوة مع مزيد من الخبرة المسرحية.
أما أخته ليلى مراد ، فقد كان حضورها لافتًا أيضًا؛ فهي ليست جميلة الشكل فقط، وإنما تمتلك جمالًا في الروح والحضور، وهو ما يجعل وجودها على الخشبة محببًا وقريبًا من المتلقي.
وهذه من الحالات التي لا يكون فيها الجمال الخارجي كافيًا؛ فالذي يصل إلى الجمهور في النهاية هو الروح المسرحية.
مراد منير.. مخرج متمكن
يظهر مراد منير في «ابن الأصول» بوصفه مخرجًا متمكنًا، استطاع أن يدير عرضًا متعدد العناصر في ظل إمكانات إنتاجية محدودة.
وتظهر قدرته بوضوح في إدارة الحركة وصناعة التكوينات الجماعية واستثمار المساحة المتاحة.
ويبرز ذلك بصورة خاصة في استعراض الحرافيش، الذي يكشف عن حس إخراجي واضح في التعامل مع المجموعة، وتشكيل الصورة المسرحية، وتحويل الحركة الجماعية إلى جزء من المعنى.
أما الاستعراضات الخاصة بالشباب، فقد كانت في حاجة إلى مزيد من الدقة والتناغم في التنفيذ. وهذه الملاحظة، في تقديري، ترتبط بصورة أكبر بتصميم الرقصات وتنفيذها، ولا تنتقص من تمكن المخرج.
فالمخرج استطاع أن يمنح العرض إيقاعًا بصريًا وأن يستثمر إمكاناته المحدودة إلى أقصى حد ممكن.
السينوغرافيا.. فقر الإمكانات لا فقر الرؤية
ربما تكون السينوغرافيا أكثر عناصر العرض إثارة للنقاش.
فالديكور بسيط، بل يمكن وصفه بأنه فقير إذا قورن بما تفرضه بعض مشاهد المسرحية من انتقال إلى عالم الثراء والحياة في أمريكا.
وهنا تظهر فجوة بين ما تحتاجه الحكاية بصريًا وما تسمح به الإمكانات الإنتاجية.
فعندما تنتقل الشخصية من عالم محدود إلى عالم المال والثراء، يفترض أن نشاهد انعكاس هذا التحول في المكان والديكور والأثاث والملابس. لكن العرض لم يمتلك دائمًا الإمكانات التي تسمح بإظهار هذا التحول بالصورة التي تستحقها الحكاية.
ومع ذلك، فإن من الإنصاف ألا نحمل المخرج وحده مسؤولية ذلك؛ فقد استطاع أن يستثمر الفضاء المتاح وفق إمكاناته، وأن يحول الخشبة المحدودة إلى أماكن متعددة.
وفي مشاهد أمريكا، استعان العرض بستائر مطبوعة في الخلفية لإعطاء إحساس بالمكان، إلا أنها لم تحقق، في تقديري، الغرض المطلوب منها بالكفاءة الكافية، وظلت أقرب إلى حل إنتاجي لتحديد المكان منها إلى عنصر سينوغرافي مقنع.
وهنا تحديدًا يظهر التناقض الذي يحكم التجربة كلها:
الخيال المسرحي كان أكبر من الإمكانات المتاحة.
الملابس.. البساطة التي لم تناسب كل العوالم
جاءت الملابس في معظم العرض بسيطة، وهو أمر يتسق مع محدودية الإمكانات، لكنها لم تكن دائمًا قادرة على التعبير عن التحولات الاجتماعية التي تتطلبها الحكاية.
فبعض المشاهد، وخصوصًا تلك التي ترتبط بعالم الثراء، كانت تحتاج إلى ملابس أكثر فخامة، لأن الملابس هنا ليست مجرد زينة، وإنما علامة اجتماعية تكشف انتقال الشخصية من طبقة إلى أخرى.
ومع ذلك، كان هناك استثناء لافت يتمثل في ملابس الممثل الذي أدى دور العم الفنان محمود عامر
فقد جاءت ملابسه مناسبة جدًا للشخصية، ومقنعة بالنسبة لرجل يعيش في أمريكا، وأعطت الشخصية خصوصيتها وصدقيتها.
ومن اللافت أن الملابس، حين تكون دقيقة في اختيارها، تستطيع أن تقول الكثير عن الشخصية دون كلمة واحدة.
السلسلة.. إكسسوار يتحول إلى علامة سيميولوجية
ومن أجمل التفاصيل البصرية في العرض السلسلة التي كان يرتديها الممثل ( عادل ) الذي أدى دور الأمريكي.
قد تبدو السلسلة مجرد إكسسوار بسيط، لكنها لفتت النظر وأعطت الشخصية بعدًا دراميًا، وأصبحت علامة بصرية تساعد المتلقي على تكوين صورة عن الشخصية.
وهنا تظهر أهمية الإكسسوار المسرحي: ليس المطلوب كثرة الأدوات، وإنما أن يكون لكل أداة وظيفة دلالية أو جمالية.
وفي هذا الجانب نجح العرض في توظيف تفصيلة صغيرة لتصبح جزءًا من بناء الشخصية.
الثاني عشر: المكياج وتصفيف الشعر
جاء المكياج وتصفيف الشعر ممتازين، واستطاعا دعم الشخصيات دون أن يلفتا الانتباه بصورة مصطنعة إلى نفسيهما.
وهذه نقطة مهمة في العرض المسرحي؛ فالمكياج الناجح هو الذي يخدم الشخصية ولا يتحول إلى استعراض مستقل.
كما أن تناسب الشعر والمكياج مع الشخصيات ساعد على تكوين الصورة الخارجية لها، خصوصًا في ظل بساطة الديكور والملابس.
الإضاءة.. صناعة الحالة بأدوات بسيطة
تباينت الإضاءة في العرض بين استخدام الضوء الأصفر في بعض اللحظات، وبين الأضواء الباردة، خاصة الأبيض والأزرق، في لحظات أخرى.
وقد أسهم هذا التباين في تغيير الحالة البصرية للمشهد، وإضفاء إحساس مختلف على الفضاء المسرحي.
فالضوء الأصفر يمنح إحساسًا بالدفء والقرب، بينما تخلق الأضواء البيضاء والزرقاء حالة أكثر برودة وتجريدًا.
وهكذا استطاعت الإضاءة أن تعوض جزئيًا عن محدودية الديكور، وأن تمنح الخشبة أكثر من حالة بصرية.
لكنها، مثل بقية العناصر، لم تستطع دائمًا أن تحل محل الديكور الذي كانت بعض المشاهد تحتاج إليه.
الموسيقى والغناء.. روح العرض
لا يمكن الحديث عن «ابن الأصول» دون الوقوف أمام الغناء والموسيقى.
فالغناء ليس مجرد إضافة ترفيهية إلى العرض، وإنما يمثل أحد مكوناته الأساسية.
وهنا كان وجود مصطفى شوقي إضافة حقيقية، لأن صوته منح الأغنيات طاقة خاصة، وأثرى الجانب الموسيقي.
كما أن الجمع بين التمثيل والغناء والاستعراض منح العرض طابعًا احتفاليًا، وجعل الموسيقى وسيلة للانتقال بين الحالات والمواقف.
وإذا كان الديكور محدودًا، فإن الصوت والحركة والموسيقى استطاعت في كثير من اللحظات أن توسع حدود الخشبة.
الجسد والاستعراض.. نجاح في الحرافيش وحاجة إلى مزيد من الضبط
يُحسب لمراد منير اهتمامه بالحركة المسرحية، ويظهر ذلك بصورة واضحة في استعراضات الحرافيش.
فقد بدت الحركة الجماعية أكثر تماسكًا، وتحولت الأجساد إلى جزء من التكوين البصري للمشهد.
أما استعراضات الشباب، فكانت تحتاج إلى مزيد من الدقة والتناغم، بحيث يصبح كل جسد جزءًا من الصورة الكلية، وليس مجرد حركة فردية داخل المجموعة.
وهنا لا ينبغي أن نخلط بين الإخراج وتصميم الرقص؛ فالمخرج كان متمكناً في إدارة المشهد، بينما كانت بعض التفاصيل الحركية تحتاج إلى مزيد من الصقل من جانب تصميم الاستعراض.
الفضاء المسرحي.. كيف نصنع الكثير بالقليل؟
من أكثر ما يلفت النظر في «ابن الأصول» أن الفريق لم يسمح لمحدودية الفضاء والإمكانات بأن توقف الحركة.
تم استثمار الخشبة بأكثر من طريقة، وتعددت التكوينات، وانتقلت الشخصيات بين مستويات مختلفة، وأصبح الممثل نفسه جزءًا من تشكيل الفضاء.
وهنا يتجلى جوهر التجربة:
الإبداع لا يعني دائمًا امتلاك الكثير، وإنما القدرة على استخدام القليل بصورة ذكية.
لكن هذا لا يمنع من القول إن بعض المشاهد، وبالأخص المشاهد التي يفترض أن تعكس الثراء والحياة في أمريكا، كانت تحتاج إلى فضاء أكثر ثراءً حتى تتطابق الصورة المسرحية مع عالم الحكاية.
الاكتمال الدائرة
جاءت النهاية مرضية وممتعة، بل من أكثر عناصر العرض التي تركت أثرًا إيجابيًا.
والأهم أنها لم تأتِ بوصفها مجرد إغلاق للحكاية، وإنما أعادت تأكيد السؤال الأساسي الذي يطرحه العمل: من هو ابن الأصول؟
فبعد كل التحولات التي يمر بها البطل، يصبح الأصل الحقيقي مرتبطًا بما يحمله الإنسان في داخله، وليس بما يملكه من مال أو مكانة.
ولهذا بدت النهاية امتدادًا طبيعيًا لفكرة العرض، واستطاعت أن تجمع بين الإبداع والفرجة والمعنى.
ووفى الختام ابن الأصول.. عندما ينتصر الإبداع على الإمكانات
«ابن الأصول» ليس عرضاً يمكن الحكم عليه من خلال فخامة الديكور أو ضخامة الإنتاج؛ لأن قوته الحقيقية توجد في مكان آخر.
إنه عرض بسيط الإمكانات، غني بالروح.
قد يضعف الديكور في بعض المشاهد، وقد لا تنجح الستائر المطبوعة في التعبير عن أمريكا بالصورة الكافية، وقد تحتاج بعض الملابس إلى مزيد من الفخامة، وقد تحتاج بعض الاستعراضات الشبابية إلى مزيد من الدقة، كما أن بعض المؤثرات الصوتية، مثل صوت البلدوزرات، لم تكن بالمستوى نفسه من بقية العناصر.
لكن في المقابل نجد مخرجاً متمكنًا، وممثلين يعملون بحب، وحوارًا جيدًا خاليًا من الابتذال، وأداءً صوتيًا قويًا، وموسيقى وغناءً يثريان التجربة، ومكياجًا وشعرًا موفقين، وممثلين جدداً يحملون وعودًا حقيقية، وعلى رأسهم يوسف منير مراد بوصفه إحدى مفاجآت العرض.
كما أن حضور مصطفى شوقي الغنائي أضاف قيمة خاصة، بينما أكدت ميرنا وليد قدرتها على تقديم أداء ناضج، ولفتت أخت البطل الانتباه بجمالها وحضورها وجمال روحها.
أما مراد منير ، فقد أثبت أنه مخرج يعرف كيف يصنع من الإمكان المحدود مساحة للإبداع، وكيف يجعل الحركة والممثل والموسيقى والإضاءة تقوم أحيانًا بالدور الذي كان يمكن أن يقوم به ديكور أكثر فخامة.
ولهذا فإن الحكم الأكثر إنصافًا على «ابن الأصول» ليس أنه عرض فقير، وإنما أنه عرض طموحه أكبر من إمكاناته.
وربما تكون هذه هي المفارقة التي تمنح التجربة قيمتها النقدية:
لقد كان يمكن للعرض أن يكون أكثر فخامة، لكنه لم يكن يحتاج إلى الفخامة كي يكون حيًا.
فهو في النهاية مزيج من الإبداع والحب والموهبة، بأقل التكاليف والإمكانات؛ وهذه، في حد ذاتها، قيمة مسرحية تستحق التقدير.
والأجمل أن العرض لا يترك المتلقي أمام سؤال الثروة وحدها، وإنما يعيده إلى السؤال الأول والأبقى:
مَن هو ابن الأصول؟
والإجابة التي تقترحها المسرحية، في جوهرها، أن الأصل ليس ما يرثه الإنسان من اسم أو مال، وإنما ما يظل ثابتًا فيه عندما تتغير كل الأشياء من حوله.
وهنا يتحول «ابن الأصول» من مجرد عنوان لمسرحية إلى قيمة إنسانية وأخلاقية؛ قيمة لا تحتاج إلى ديكور فاخر كي تظهر، ولا إلى إمكانات ضخمة كي تصل إلى الجمهور.



