واحة الأدب

فرْطُ الرُّمان

قصة للكاتبة جيهان عوض

أنظرُ لأمي وهي تقشرُ لأبي الرُّمان وتفرط حباتِه لتضعَه في طبقه المخصَّص، ثمَّ أتطلَّع لتلك المذيعة, وأنصتُ لحوارها الصادم معَ ضيْفيها اللذيْن تبيَّن لي أنَّ الأول شيخٌ بالأزهر, والأخرى داعيةٌ إسلامية ممَّن احتلتْ وجوههنَّ الشاشة بالفترة الأخيرة.

 أراقبُ أمي وهي تزوق الطبقَ وترشُّ عليه ذراتِ السُّكر مُغتبطة، ثمَّ التفتَ لحديث الضَّيفة الذي زادَ حدتُه معَ أنه لا يخلو من آيات الله وأحاديث نبيِّه ولا أدري إنْ كان ما تقوله يوافق الموضوعَ المستثار أم لا!

مرَّة أخرى, أنظرُ لطَبق الرُّمان الشَّهي المزيَّن بلمساتِ أمّي الساحرة, وبابتسامتها المعْهودة لأبي:

(تفضَّل يا حاج)..

 يُباغتني صوتُ الضيفة بصراخِها بوجْه الشيخ وهي تدافعُ عن حجَّتها مُستعينة بالقرآن والسنة!

أبي الذي أقمرَ ليلُه يضحك مستهزئًا ممّا سمع، يسبُّ الداعية والمذيعة، حتى الشيخ لم يسلمْ من لسانه!

يسحبُ نفَسًا طويلًا من الشّيشة يتبعه سعالٌ متقطِّع يضيق له صدري، يأمرُني أن أديرَ القناة، أتحجَّج أنَّ قدماي أصابَها تنْميل كي أتمكنَ من معرفة ما ستؤول إليه هذه المناظرة. يعلو صوتُ الضَّيفة مرةً أخرى بجُملة تكرِّرها من أولِ اللقاء..

“الزوجةُ ليست ملزمة!”

تبتسمُ أمّي:

– لا أدري ما الذي سيجنونَه من هذه المجادلات! ما لَهم والمرأة! هُم لا يدركونَ أنَّنا لا نريد إلا أنْ نحيا بأمان، دعْواهم تلك ما هي إلا حيلةٌ خبيثة لتفكيكِ الأسرة!

وقبلَ أن يشير لها تفهَمُ فتغلقُ التلفاز، ثمَّ تديرُ الراديو على إذاعةِ القرآن الكريم..

– هذا الراديو يُشبهنا، يشبه البيوتَ الهادئة، فيه الدفءُ وفيه السكينة، اسمعوا..

قالتْها وهي تولي ظهرَها.

تلملمتُ في جلستي، بينما يداعبُ أبي شاربَه في زهْو، ذهبت هي لتجهزَ الحمامَ لجدَّتي كي تحمِّمها قبلَ أن تأتي ابنتها الوحيدةُ لزيارتها اليومية فتعنِّفها على إهمالها لوالدتها!

أحاولُ أن أبحثَ عن كلمة أشقُّ بها ظلامَ الصمت بيننا فلا أجد، أتخبَّط بين رغبتي وخوفي حتى تغلبني الرغبةُ فأتجرَّأ, وللمرَّة الأولى, وأنطقُ بما لم أستطعْ أن أتفوَّه به من قبْل.

– “أبي، حاتم خطيبي يخبرُك أنه لا يستطيع أن يوفرَ شقةً للزوجية، وأنَّنا سنسكنُ مع أهله لحين تتحسَّن الظروف, و…”

– ماذا! ..كيف ذلك؟!

وافقتُ عليه بعدما وعَدني أنَّ بإمكانه شراءَ شقة مستقلَّة! هل أخلَّ بوعْده؟! أم أنَّه يستهين بي؟!

ابتلعتُ لساني ومعها غصَّتي ولا أجد إلّا خيبتي ناكسةً رأسَها أمامه، فأنا أعرفُ نتيجة ما يطلبُه خطيبي؛ بل أعيشُه وأحْياه حتى سلبَ منّي رحيقَ الحياة ومهجتها!

مازال يصرخُ ومازلت لا أستطيعُ المواجهة!

يكملُ توبيخَه ونعتَه بأفظع الشتائم.

“يريدُك خادمة لأهله!”

تهرعُ أمي على صراخِه, وبيدها المنْشَفة، يتقاطر من يديها ماءُ الغُسل، تنظرُ لي وكأنَّها تلومني على تسرُّعي، فقدْ وعدتني أنها ستمهدُ له الأمرَ فهي على حدِّ قولها تعرف كيف تتصرَّف، تلومني بعينيها وهي لا تعلمُ كم كتمت من أحاديث وكم تحمَّلت حتى صرت على أعتابِ الثلاثين أنتظرُ مَن يخلِّصني، وحينما جاءَ لم يأتِ بمُفرده، سحبَ خيبتي معه ليراشقني بها متى أراد.

يدقُّ جرسُ الباب، تتوترُ أمي فلم تنتهِ بعدُ مِن تجهيز العشاء لاستقبال عمَّتي وأولادها، تنادي جدَّتي عليها، يزداد توترُها. يرنُّ الهاتف تكاد تصرخُ وأنا عاجزة عنِ الوقوف إذِ انْتابتني هذه المرَّة وخزةٌ حقيقية بقدمي، كلُّ هذا وأبي ينظرُ لأمي مدْهوشًا، تسرع في فتحِ الباب لعمَّتي وأولادها الثلاث, وبيدها سماعةُ الهاتف، يقتحمونَ المكانَ بلا شفقة، لا تزجرهم عمَّتي بل تكتفي بتلك النظرةِ التي تسكبها على وجْه أمّي بكلِّ مرةٍ حتى يذوب. يمتلأ المكانُ بصياح الصغار. جدَّتي مازالت تنادي، أراقبُ وجهَ أمّي الذي انسحبَ منه وريدُ الحياة شيئًا فشيئًا حتَّى صار شاحبًا. تردُّ على الهاتف مغْصوصة:

– أيوه يا حاتم.

يعلو صوتُ الصغار، تهرول أمّي لحجرةِ جدَّتي التي مازالت تكررُ اسمَها، يخرسنا صراخُها المضطرب من بعيد:

-لا تحاول يا حاتم… هي ليست مُلزَمة، انتهى الأمر!

اترك تعليقاً